الأربعاء، يوليو ٢١، ٢٠١٠

هموم اول القرن:خواطر في قضايا الصحافة



بقلم/ نصر طه مصطفى

---------------------------


أثبتت لي تجاربي خلال السنوات الماضية أن الرئيس علي عبدالله صالح هو الأكثر وعيا وإدراكا ومرونة وفهما لكل مقتضيات التطور في هذا البلد ولكل ما يجري فيه من كل من حوله مع احترامي وتقديري للجميع... وما أقوله ليس مجاملة بل حقيقة واقعة تؤكدها كل الشواهد ويعرفها جيدا كل من يعرفون الرجل،

فما دعاني لقول ذلك هو حديثه قبل أمس الثلاثاء مع رؤساء وفود مجالس الشورى والشيوخ العربية والإفريقية وبالذات ذلك الجزء المتعلق بحرية الصحافة الذي تحدث فيه الرئيس بوضوح وشفافية ومصداقية نادرة... فهو أشار إلى عملية المران النفسي على مسألة حرية الصحافة وما ينبني عليها من نقد سياسي بأسلوب جميل يدل على روح رياضية رائعة قلما تكون موجودة لدى قائد سياسي خبير ومحنك مثله.

هذا كله يذكرني بمواقف سابقة كثيرة له أثبت من خلالها مستوى دعمه لقضايا الحريات الصحفية يمكنني أن أذكر بعضها مثل توجيهه بإجراء تعديل قانوني يلغي عقوبة حبس الصحفي بسبب الرأي وتوجيهه بالسماح لأجهزة البث المباشر الخاصة بقناة الجزيرة بالدخول لليمن وتضمينه برنامجه الانتخابي حرية إطلاق القنوات والإذاعات الخاصة ومواقف سابقة كثيرة ليس في المجال متسع لذكرها... لكني أريد أن تكون مدخلا للحديث المتأخر عن يوم الحرية العالمي للصحافة الذي صادف الخميس الماضي ومن خلاله أريد أن أعبر عن آمال عريضة تكرس حرية الصحافة في بلدنا باعتبارها أكثر وأجمل إشراقات الديمقراطية التي نعيشها منذ سبعة عشر عاما ستكتمل بعد اثني عشر يوما في الاحتفال بالعيد الوطني الذي جلب معه الخير لهذا البلد فالوحدة خير والديمقراطية خير وحرية الرأي خير ونأمل أن يكتمل هذا الخير بزوال المصاعب الاقتصادية والمعيشية عما قريب فالمستقبل يحفل بكل خير إن شاء الله.

فبغض النظر عن كون تقييم أوضاع حرية الصحافة أصبحت أحد نقاط التقييم لدول الديمقراطيات الناشئة التي تنفذ برامج إصلاح اقتصادي برعاية دولية فإننا يجب أن ننطلق في الحفاظ على حرية الصحافة من قناعة ذاتية كما قال الرئيس قبل أمس لما لمثل هذه الحريات من انعكاسات إيجابية على الأوضاع الداخلية... لذلك فإنني أتمنى تحريك جوانب الجمود التي يمكن أن تؤثر باستمرارها على الحريات الصحفية مع الوقت، وفي مقدمتها حالة الجمود التي دخلتها عملية تعديل قانون الصحافة في إطار الموجهين الأساسيين اللذين طرحهما فخامة الرئيس قبل ثلاث سنوات وهما إلغاء عقوبة الحبس للصحفي بسبب الرأي وزيادة مساحة الحريات الصحفية، وهما موجهان رائعان لا يختلف عليهما كل من ينشد الخير لهذا البلد... كما أتمنى الإسراع في تنفيذ ما ورد في برنامج الرئيس بخصوص القنوات والإذاعات الخاصة وفق ضوابط لا تجعل منها وسيلة لتمزيق الوحدة الوطنية وإثارة أمراض التخلف التي ما دخلت بلدا إلا ودمرته وجعلت أهله جميعا أذلة... وأتمنى أيضا تطبيق القانون الحالي للصحافة ولائحته التنفيذية فيما يخص طلبات إصدار الصحف والمجلات فلدينا قانون يشهد له الآخرون بأنه من أفضل قوانين الصحافة العربية ومن ثم فمن استكمل شروط الإصدار الواردة في القانون فليصدر ما يشاء من الصحف طالما هناك مرجعية قانونية تحكم الجميع... وأخيرا أتمنى على كل أصحاب القضايا المرفوعة ضد صحف في المحاكم أن يسحبوها ليس لأن ذلك من حقهم بل على العكس هو حقهم المشروع الذي لا مراء فيه، إنما من باب فتح صفحة جديدة في هذه المرحلة وبالمقابل أتمنى على أصحاب الصحف والصحفيين المرفوعة ضدهم تلك القضايا أن يكونوا أكثر حصافة ودقة ومسؤولية فيما ينشرونه ويكتبونه مستقبلا حتى لا يتعرضون لمثل هذه المواقف التي تضع كل الصحفيين في حرج وتسيء لصورتهم خاصة تلك الكتابات المليئة بالسب والقذف والابتزاز الرخيص والمكايدة السياسية الغبية!

-----------------------------------------------------


الخميس 10 مايو 2007 09:21 ص

الوحدة اليمنية .. إطلالة تاريخية

بقلم/ علي حسن الشاطر
----------------------


ظلت الوحدة اليمنية عبر مراحل التاريخ حاضرة وحية في ذاكرة الأجيال المتعاقبة باختلاف نظمها الاجتماعية والسياسية ، ومستوى تطورها الاقتصادي والثقافي، واحتفظت بمكانتها في الإرث التاريخي والذاكرة الجمْعية اليمنية كقاعدة وآلية فكرية وعملية صنعت الازدهار التاريخي للمجتمع وأسست له حضارة ومجداً وسلطاناً؛ الأمر الذي عزز من حرص الأجيال المتعاقبة وبالذات طليعتها السياسية والثقافية على استنطاقها في كل أعمالهم وإبداعاتهم الفكرية والأدبية والتاريخية، وتحويلها إلى هدف استراتيجي في برامجهم السياسية ونضالهم الوطني باعتبارها منطلق النجاح في مواجهة تحديات المرحلة وقاعدة راسخة لأي مشروع وطني نهضوي..


وفرضت الوحدة حضورها وفعلها كحتمية وطنية في سياق الانتقاء الطبيعي لقوانين التطور التاريخي والحضاري للمجتمع اليمني، وظلت على الدوام أحد العوامل والشروط الحاسمة للتنمية والأمن والاستقرار الداخلي، وحاضنة للسلم الاجتماعي، ومثلت السبب الرئيس الحقيقي ، والهدف النهائي لكل الصراعات والحروب الداخلية عبر مختلف العصور.


وعلى قاعدة الوحدة اليمنية كهدف، وضمن نطاقها الجغرافي والاجتماعي استمرت التصادمات والصراعات التناحرية لقوى التمزق والتخلف والتيارات النفعية بمصالحها الضيقة ضد محفزات وشروط التوحد والتطور والنهوض التنموي، التي تعبر عنها الجماهير في احتياجاتها التنموية المتنامية، ومتطلباتها الملحة للأمن والاستقرار الداخلي ، وتجاوز صراعاتها وحروبها البينية ومع محيطها الاجتماعي والسياسي، والخروج من واقع التمزق الوطني وشرنقة الكيانات السلطوية والدويلات الصغيرة التي استنفدت قدراتها على الاستمرار، وتحولت إلى معوقات في طريق التقدم التنموي يقتصر دورها على إنتاج التخلف والقهر الاجتماعي وعوامل عدم الاستقرار الداخلي والإقليمي.


الصراع من أجل الوحدة مثّل على الدوام مواجهة مفتوحة بين الجماهير وقواها الاجتماعية والسياسية الحية، ضد مراكز النفوذ والهيمنة الاقتصادية والسياسية والقيادات المحلية ونزعاتها التسلطية، التي بقيت حريصة في الحفاظ على مستعمراتها القبلية والأسرية الخاصة والمتوارثة، ومثلت الوحدة في مراحل تاريخية مختلفة أحد أهم الشعارات والمبررات السياسية والاجتماعية لحشد الجيوش، والمحفزة للكيانات الوطنية الداخلية المتميزة بقوتها الاقتصادية والعسكرية، لبسط نفوذها ومناطق مصالحها وسيطرتها المباشرة على ما حولها من الكيانات الصغيرة، وفي كثير من الحالات التاريخية كانت القوة والحروب تمثلان وسيلة للسيطرة تحت شعار الوحدة، إلا أن التطورات اللاحقة لمثل هذا النوع من الحروب، كانت تحكمها قوانين التطور الموضوعية، وحاجة المجتمع إلى التعايش والعيش بسلام، وكذلك الحاجة السياسية الوطنية الرسمية والشعبية إلى احتواء النزاعات الداخلية والتمردات الانفصالية، وتحقيق الاستقرار والازدهار الاقتصادي التنموي؛ الأمر الذي حتم بالضرورة ظهور تشريعات سياسية وقوانين وأنظمة داخلية متطورة باستمرار لتنظيم العلاقات وتوازن المصالح الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية للكيان الجديد، وتعزز أواصر التوحد الاجتماعي بشكل يضمن لهذه الوحدة ديمومة الاستمرارية والاستقرار والازدهار الحضاري عبر التاريخ.


ظلت الوحدة الإطار العام الحاضن للكيان اليمني الحضاري الذي بقي على الدوام كتلة تاريخية اجتماعية واقتصادية وسياسية تمتلك من قواسم التوحد الموضوعية والتاريخية بمكوناتها المختلفة أكثر مما تمتلكه من شروط التفكك الجغرافي والتمزق والذاتية التي تمكنت من فرض وجودها وسيادتها المرحلية المؤقتة بين الحين والآخر على أنقاض الدولة المركزية المتحللة بفضل جملة من الأسباب والعوامل الداخلية والخارجية التي تتباين من مرحلة إلى أخرى وأهمها في الغالب العام الضعف والانهيار السياسي والاقتصادي الداخلي أو الغزو والتدخل الخارجي وجميعها عوامل مولدة ومحفزة لاستشراء النزعات الانفصالية..


وخلال هذه المراحل الاستثنائية لم تعرف اليمن الاستقرار الداخلي وتحولت إلى ساحة حروب وصراعات داخلية من أجل المصالح والنفوذ، ولكنها كانت سرعان ما تتحول إلى حروب من أجل التوحد بأشكال وأساليب مختلفة ووسائل سلمية وغير سلمية، هذه الصراعات والحروب لم تكن من حيث جذورها وأسبابها الحقيقية وطابعها العام، معبرة عن نزعة أو إرادة سياسية سلطوية محضة، بل مثلت إرادة شعبية وحاجة وطنية تنموية لها جذورها وعواملها وأسبابها الموضوعية النابعة من حقيقة أن اليمن استمرت عبر تاريخها الحضاري كياناً "اجتماعياً، قبلياً، سياسياً، ثقافياً، اقتصادياً، جغرافياً وطبيعياً موحداً" ومتكاملاً في مكوناته ومصالحه ووظائفه وعلاقاته الاجتماعية والاقتصادية والتجارية.


والدويلات التي كانت تبرز هنا وهناك عقب انهيار وتفكك الدولة المركزية الموحدة لم يكتب لها التطور والازدهار والاستقرار لفترة زمنية طويلة وتدخل مع بعضها البعض في صراع تناحري مصيري يكون البقاء فيه للأقوى ، ويستمر وجودها في حالة حرب متواصلة، وعرضة لغزوات القبائل الفقيرة من حولها، إلى جانب عدم قدرتها على احتواء صراعاتها الداخلية الناشئة على قاعدة تباين المصالح الاقتصادية والسياسية، والهيمنة بين أقطابها الرئيسة المكونة لها "الاجتماعية ،القبلية والاقتصادية" من خارج إطارها الجغرافي الوطني.. في حالات عدة استطاعت بعض الدويلات الاستمرارية بحكم وجودها في مناطق تتميز بثرائها الاقتصادي وامتلاكها مرحلياً لمقومات الاكتفاء الذاتي، إلى جانب عزلتها الجغرافية وحصانتها الدفاعية وقوتها العسكرية، ونجاح البعض منها بحكم قربها من الساحل في خلق علاقات اقتصادية تجارية مع كيانات جديدة.


مراحل التمزق وعصور الدويلات الصغيرة ظلت استثنائية وتولدت عنها عوامل عدم الاستقرار والتخلف المريع في مختلف مناحي الحياة، وجعلت البلاد ضعيفة ومفتوحة أمام التدخل والغزو الخارجي الذي استشرى فعله وأثره في مراحل التاريخ الوسيط والحديث، هذه المراحل ولّدت من داخلها شروط وإمكانات وقوى التغيير والوحدة، سرعان ما كانت تفرض وجودها وإرادتها وتتحول خلال فترة وجيزة إلى مركز جذب واستقطاب سياسي واجتماعي يمدها بعناصر القوة والاستمرارية والنجاح في تصحيح الاختلالات التي تعتري مسارات التطور التاريخي للمجتمع اليمني لتعيده إلى واقع التوحد.


القادة الوحدويون الذين يخرجون من أية شريحة اجتماعية أو منطقة يمنية وحتى أولئك الذين جاءوا من خارج اليمن بعد الإسلام "الزياديين، الأيوبيين، الرسوليين وحتى بعض الأئمة" كانوا يجدون الشعب بمختلف مكوناته وشرائحه الاجتماعية وانتماءاته القبلية والجغرافية يلتف حولهم في مواجهة القوى والتيارات والكيانات الانفصالية، ومثل هذا الموقف الشعبي وإن كان يعبر عن موروث ثقافي وحضاري تاريخي، ويجسد الحاجة الوطنية التنموية، فإنه يعبر في الوقت ذاته عن حاجة الشعب إلى الأمن والاستقرار المعيشي والحياتي، ورفضهم القبول بواقع العبودية التي كان يفرضها عليهم الزعماء المحليون داخل إقطاعياتهم الخاصة .


القراءة المتأنية في النقوش والآثار اليمنية القديمة والمخطوطات والمدونات والمصادر والمراجع التاريخية المختلفة، تؤكد أن الدويلات المحلية الصغيرة رغم ما حققه البعض منها من ازدهار ونفوذ داخلي وخارجي ظل دورها في التاريخ الحضاري اليمني والإنساني محدوداً ولم يترك ذلك الأثر والمجد الحضاري والإنساني الذي خلفته الدولة الوحدوية القوية، كما تؤكد نجاحات القادة والزعماء الوحدويين ضد أعدائهم وتمجدهم وتخلدهم، رغم ما تركه البعض من دمار وارتكبه من فظائع وجرائم بحق أعدائه، ومثل هذا التمجيد هو أبعد من أن يكون هدفه القائد بذاته ولكنه كان تمجيداً وتخليداً للقضية الوحدوية التي قاتل في سبيلها.


آخر وحدة عرفتها اليمن كانت في القرن السابع عشر على يد الإمام إسماعيل بن محمد القاسم التي لم تستمر طويلاً لعدم اقترانها بمشروع وطني تنموي حضاري يضمن نجاحها وازدهار الوطن وتمزق الدولة القاسمية ودخولها معترك الصراعات بين الأسرة الحاكمة في سبيل السلطة والثروة . الأمر الذي أضعف من قوة وتماسك اليمن ومهد لدخولها تحت السيطرة الاستعمارية وبالذات الأوروبية.


تجدر الإشارة هنا إلى أن اليمن تعرضت للغزو الاستعماري البرتغالي في عهد الدولة الطاهرية إلا أن هذه المحاولات باءت بالفشل رغم استخدام المستعمرين الأسلحة النارية التي لم تكن معروفة حينها لدى اليمنيين لكن الدولة كانت قوية ومتماسكة وموحدة مما أهلها للصمود في وجه الغزاة.


سيطرة الأتراك على الشطر الشمالي والبريطاني على الشطر الجنوبي من اليمن أجهض كل المساعي والنضالات الوحدوية فقد اعتمد المستعمرون إستراتيجية التفتيت الداخلي للوطن كضمانة أكيدة لاستمرار وجودهم وسيطرتهم الاستعمارية.. إلا أن الوحدة ظلت قضية حية في الوعي والوجدان الاجتماعي والمكون الثقافي والروحي للشعب.. ومثلت حاضنة لحفظ الهوية الوطنية والتحريرية والثقافية، وسداً في وجه محاولة التغريب وطمس الهوية اليمنية والانتماء الوطني والتاريخي للشعب، كما مثلت شعاراً ومنطلقاً وأداة للنضال الوطني التحرري ضد الوجود الأجنبي.


على مدى أكثر من قرن قاتل أبناء الوطن الواحد جنباً إلى جنب ضد الوجود العثماني وتصدوا للغزو والاحتلال البريطاني، وكانت المناطق الشمالية حاضنة لكل المناضلين الجنوبيين ضد الاستعمار البريطاني ووفرت لهم المأوى ومقومات الحياة والعيش والدعم المادي والمعنوي الذي كان يقتطعه المواطنون من لقمة عيش أسرهم، وكذلك كانت المناطق الجنوبية حاضنة لأبناء الشمال.. في عدن تأسست أول حركة سياسية مناهضة للإمامة، وفي صنعاء تأسست أول جبهة للنضال الثوري المسلح ضد الاستعمار البريطاني، وهذا تأكيد أن الوحدة اليمنية كحقيقة تاريخية ظلت حاضرة بقوتها وفعلها كقاعدة انطلاق للنضال الثوري اليمني من أجل الحرية والتقدم الحضاري وشكلت على الدوام الأساس الموضوعي (الاجتماعي، الثقافي، السياسي، الاقتصادي والعسكري) لنضال الشعب اليمني ضد الاستعمار والإمامة والكيانات التمزيقية بمسمياتها وشعاراتها وسلطاتها المختلفة.


في هذا السياق تجدر الإشارة إلى أن الحركات والتيارات الثورية والأحزاب السياسية التحررية التي بنت برامجها النضالية على أساس جهوي شطري وتجاهلت الوحدة اليمنية كقاعدة برامجية لنضالها ومشاريعها وأهدافها السياسية لم يكتب لها النجاح على الرغم من بلوغ العديد منها درجة كبيرة من النجاح والشهرة والنفوذ السياسي الخارجي والاجتماعي الجهوي؛ إلا أنه سرعان ما اعتراها الضمور السياسي والاجتماعي والثقافي، وأفل نجمها من ساحة النضال الوطني بسرعة رغم شدة سطوعه، وغادرت مسرح الأحداث بعد أن فرض الواقع وحقائقه الوحدوية والموضوعية والتاريخية عليها الاضمحلال والانطواء في ركن قصيّ ومجهول من التاريخ مفسحة المجال لقوى ثورية وحدوية جديدة خرجت بعض قياداتها وعناصرها من بين هذه الأحزاب والتيارات السياسية ذات النزعات الشطرية والجهوية.. هذه القوى الجديدة التي جعلت من الوحدة حاضنتها التاريخية والاجتماعية والسياسية وأداتها وهدفها الإستراتيجي استطاعت خلال فترة وجيزة فرض وجودها وهيمنتها وخياراتها وبرامجها على الساحة الوطنية.


منذ انتصارها كرست الثورة اليمنية ( 26 سبتمبر 1962 و14 أكتوبر 1963) جل جهودها وإمكاناتها وطاقاتها المادية والبشرية، للدفاع عن وجودها وخيارات الشعب في الحرية والاستقلال والازدهار الحضاري، وخاضت حروباً واسعة في التصدي للتآمرات الداخلية والخارجية، ونجحت الثورة في إخراج الشعب من واقعه الاستعماري وتحريره من أغلال التخلف والجهل والفقر، والنهوض بمستوى حياته المادية والروحية كمطلب ملح وقضية محورية لإعادة صياغة الوحدة اليمنية التي حتمت المزيد من الجهود والإمكانات في معالجة وإعادة إصلاح وترميم التمزقات والتشوهات والدمار الذي خلفه النظام الاستعماري الإمامي في كيان ووحدة الوطن ( الجغرافية، الاجتماعية، الثقافية، العقائدية الدينية) وإعادة تشكيل وبناء الكيانات والمكونات الجغرافية والسياسية القبلية التي خلفتها المراحل السابقة وإذابتها في النسيج الوطني العام للدولة داخل كل شطر على حده، والعمل في الوقت ذاته على تربية الأجيال على أسس ومعايير وحدوية خلقت جيلاً جديداً يتجاوز في ثقافته وقناعته الفكرية وسلوكه العملي أسوار التمزقات السياسية الجهوية والطائفية والمذهبية والقبلية وعبور الحواجز الفكرية والسياسية والاقتصادية الشطرية.


خلال ثلاثة عقود من تاريخها ساهمت الثورة في تجذير قيم الوحدة وفكرها وقواها الاجتماعية وتطهير ذاتها من الثقافات والميولات والقناعات ذات النزعات الانفصالية إلى جانب إعادة صياغة الواقع الوطني داخل كل شطر مادياً وثقافياً وتاريخياً واخلاقيا ًعلى أسس وطنية وحدوية.


التباين الأيديولوجي في نظم الحكم السياسي السائدة في الشطرين في مرحلة ما بعد الثورة وتمترس كل قيادة في الدفاع عن نهجها الأيديولوجي وخياراتها السياسية ومحاولة فرضها كقاعدة فكرية واقتصادية وسياسية تقوم عليها وحدة اليمن المنشودة، هذه التباينات لم تكن كافية لاحتواء المد الشعبي ضمن الحسابات السياسية الشطرية الضيقة.. وما تم فرضه من حواجز واشتراطات ومعوقات أمام المسيرة الوحدوية كانت في غالبها العام ذات منابع سياسية ذاتية ولاتمثل أسسا ومبررات موضوعية لها، ولهذا ظلت عاجزة عن الاستمرار في فعلها كحواجز وسدود أمام الوحدة التي فرضت وجودها على الساحة والوعي السياسي الرسمي والشعبي من خلال حربين شهدهما الشطران ومن خلال صراع سياسي وثقافي وعسكري طويل وغير مباشر كانت الوحدة على الدوام سببه الحقيقي وهدفه الرئيس؛ وشكل ذلك أحد الأسباب والدوافع المهمة لتطويع الإرادة السياسية الحاكمة وحتم على قيادة الشطرين الانصياع لقوانين التاريخ وتطوراته الموضوعية.. وجاءت الحوارات والاتصالات الوحدوية وتدرجها عبر مراحل مختلفة استجابة منطقية لإرادة الجماهير وقناعاتها الوحدوية.. وكان فخامة الرئيس علي عبدالله صالح أكثر الزعماء اليمنيين استيعاباً لهذه الحقائق والمدركات الوطنية حين بادر إلى إخراج القضية الوحدوية من دائرة الحروب والمناورات والمساومات السياسية لأنظمة الحكم المتعاقبة في الشطرين إلى دائرة الحوار الجماهيري المباشر والمفتوح حررها من قيودها وأنزلها من الأبراج العالية للسلطة ومصالحها الضيقة إلى الشارع الشعبي الذي تعاطي معها من منظور مصالحه واحتياجاته الماسة إليها، ومثّل هذا الإجراء البداية العملية لربط الوحدة مباشرة بالشعب وهو نهج سياسي تبلور فيما بعد إلى ما يسمى بالمفهوم الديمقراطي للوحدة.. وحين أضحت الجماهير ممسكة بزمام القضية الوحدوية أصبح حلمها التاريخي حقيقة واقعية معاشة وبات من المستحيل على أي كان استخدامها للمناورات السياسية أو التراجع عنها تحت أي مبرر من المبررات؛ لأن ذلك يمثل خيانة للوطن والشعب وتضحياته الطويلة.


ولم يجد حينها أصحاب المصالح وحتى أشد الناس عداءً للوحدة في الداخل والخارج بداً من الانسياق مع هذا التيار الوحدوي الوطني الجارف والانصياع لإرادة الجماهير، ولم يتردد الكثير من أعداء الوحدة في الشطرين في إظهار مشاعرهم وأفراحهم وذرف (دموع التماسيح) يوم الإعلان عن وحدة الوطن، وكانت هذه إحدى وسائل التمويه الهادفة إلى إخفاء عدائهم للوحدة وتأكيد حضورهم الفاعل والمؤثر سلباً في إطار الكيان الوحدوي الجديد، وقد ظل هؤلاء في حالة كمون وسبات شتوي إلى أن لاحت لهم الفرصة والإمكانات المواتية للانقضاض على هذا الانجاز، وهذا ما حصل بالفعل حين أعلن بعض الشركاء في صناعة هذا الانجاز الانقلاب العسكري والارتداد على الوحدة في العام 1994م وهو ما يتأكد اليوم من خلال مشاريعهم التفكيكية ونهجهم الانفصالي والتدميري الذي لا ولن ينجح ما دامت الوحدة محروسة بعناية الله وبإرادة الشعب اليمني.
----------------------------------------------------------
الثلاثاء 18 مايو 2010 06:15 م

اليمن أولاً !

بقلم/ عبده بورجي
------------------


في لقاء جمعني بأحد القيادات التربوية المخضرمة دار بيني وبينه نقاش طويل حول مناهج التعليم وعلى وجه الخصوص مادتي التاريخ والتربية الوطنية في مختلف مراحل التعليم في مدارسنا وكان التساؤل يدور هل استطاعت مناهجنا التعليمية التربوية أداء دورها في غرس قيم الولاء والانتماء الوطني بقدر كافٍ في نفوس جيل الشباب والناشئة وهل محتواها الراهن يحقق هذه الغاية أم أن هناك ثمة اختلالات كبيرة وجوانب قصور ملموسة في هذه المناهج ولأسباب لا يتسع المجال لسردها هنا جعلها عاجزة وغير قادرة على خلق وعي معرفي وتوعية وطنية سليمة خاصة بحقائق التاريخ اليمني وإشراقات الحضارة اليمنية القديمة وإبراز مكونات الشخصية اليمنية وملامح الهوية الوطنية المرتبطة بها من قيم وإبداعات وريادة وشجاعة وإقدام وخصوبة في العطاء الإنساني وموروث ثقافي واجتماعي متميز بتنوعه وتفرده وتألقه حتى مع وجود بعض الهنات التي لا يمكن إنكارها .. وما من شك فأن قراءة فاحصة في مواد التاريخ والتربية الوطنية للمراحل الدراسية المختلفة تكشف الحقيقة المرة التي تبرز مدى الفجوة القائمة بين الغاية الوطنية المنشودة من مدخلات المناهج وبين المخرجات الناتجة عنها والتي للأسف لم تستطع إنتاج جيل يمني شاب متعلم محصن بقيم الولاء والانتماء الوطني وحب اليمن وجعلها أولاً وفوق كل الاعتبارات والمصالح الحزبية أو الذاتية والأنانية وغيرها.. ونتيجة لذلك وجدنا هذا الجيل يعش حالة التيه والاغتراب النفسي والتجهيل وغياب الوعي المعرفي بل والشعور بالدونية إزاء مسائل متصلة بالهوية الوطنية والفخر الوطني والاعتزاز بالانتماء لليمن أرضاً وإنساناً وتاريخاً وحضارة وثقافة وهوية.. بل أن ذلك الجيل أصبح في ظل تلك الحالة الملتبسة لديه حول تاريخه وانتمائه الوطني يشعر بعدم الثقة والاستعداد للتفريط والتهاون إزاء قضية الولاء الوطني والدفاع عنه وتمجيده وصيانة مصالحه والإعلاء من شأنه ومن رموزه السيادية والوطنية.. وزاد الطين بلة أن جماعات وقوى متربصة ومعادية أستغلت كل ذلك وقامت بشكل منظم ومبرمج بدور هدام استهدف عقول ونفوس هذا الجيل بهدف تخريبها من الداخل والتشويش على أي إدراك صحيح لدى المنتمي إلى هذا الجيل الذي ترعرع في كنف الثورة والجمهورية والوحدة وتشكيكه في كافة الحقائق ذات الصلة بالتاريخ اليمن قديمه وحديثه وتعبئته في اتجاهات خاطئة لتخلق جيلاً مهزوماً وسطحياً في تفكيره واهتماماته بل وناقماً ومتذمراً على واقعه الراهن وأداة سهلة في يدها تناهض به القيم والانجازات والمبادئ التي قدمت في سبيلها تضحيات غالية وجسيمة وذلك بعد أن بذلت تلك القوى كل جهدها من أجل طمس الحقائق عن العهود المظلمة والجوانب المأساوية البائسة التي عاشها الشعب اليمني وأجياله المتعاقبة سواء في عهد ما قبل قيام الثورة أو إعادة تحقيق الوحدة المباركة .. ومن المحزن القول أن المناهج التعليمية والى جانبها وسائل التثقيف والإعلام والتوعية والفكر والفن قد ساهمت إلى حد كبير في أن يجد مثل هؤلاء المتربصون فرصتهم للتشويش على الذاكرة الوطنية لدى قطاع واسع من جيل الشباب والناشئة الذين لم تقدم لهم تلك المناهج والوسائل جرعات كافية للإلمام بواقع الماضي وماسية وأحزانه وإظهار مخاطر إستجلابه أو العودة إليه مرة أخرى تحت أي شعار أو رداء أو تبرير..
 
لهذا ينبغي أن تكون هناك وقفة وطنية مسؤولة إزاء إعادة النظر في مناهج التعليم والتربية وتحديداً مادتي التربية الوطنية والتاريخ ومن مختصين ومفكرين يستشعرون مسؤوليتهم الوطنية في بناء جيل يمني محصن بالقيم الفاضلة الدينية والوطنية ومبادئ الولاء والانتماء الوطني وغرس مفاهيم الحب لليمن والاعتزاز والفخر بالانتساب إليه وهناك إشراقات رائعة في سفر الحضارات اليمنية الضاربة جذورها في أعماق التاريخ والذي هو بدوره حافل بالأدوار والمواقف والانجازات والعطاءات المتميزة التي قدمها اليمنيون عبر مسيرتهم التاريخية وحضاراتهم القديمة التي كانوا الرواد في إِشادتها كحضارات حيّاة وتقدم وإزدهار وبناء ممالك وإمارات ودول على أسس من التنظيم والشورى والقوة والمنعة والبأس الشديد .. وكذا ما تلى ذلك من مواقف الانتصار لراية الإسلام ونشرها في مختلف أصقاع الأرض وكانوا "الأنصار" الصادقين الأوفياء الحاضنين للمبشر العظيم (ص) ورسالته المحمدية السمحاء وصحبه الأخيار وكانوا الجنود الأشداء الطلائع في ركب الفتوحات الإسلامية ورسل العقيدة والحق والعدل والفضيلة الذين جسدوا بسلوكهم المثالي وتعاملهم الإنساني الرفيع القدوة الحسنة التي أهتدى بها الآخرون من شعوب العالم في "شرق وجنوب آسيا وشمال أفريقيا وغيرها" ليدخلوا في دين الله أفواجاً .. لتتواصل بعد ذلك مسيرة الكفاح انتصاراً للذات والكرامة الإنسانية ومواجهة الظلم والاستلاب والتخلف وإعلاء قيم الحرية والاستقلال والحياة .. فهذه هي اليمن وهؤلاء هم اليمنيون صناع التاريخ وأصل العروبة الذين ينبغي أن تعرف حقيقتهم أجيال اليمن وتعتز بانتمائها لهم وأن تعمل مناهجنا التعليمية والتربوية وكل وسائل التثقيف والتوعية والإعلام والفكر والفن من أجل النهوض به، وهذا هو الواجب الذي ينبغي أن لا يتقاعس عن أدائه أي يمني غيور يحب وطنه أينما كان موقعه أو انتماؤه أو قناعاته الفكرية وسواء داخل الأسرة أو في نطاق المجتمع .. فاليمن بحاجة إلى جهود كل أبنائها .. وهي تستحق منا جميعاً أن نعمل من أجلها الكثير الكثير وأن نغرس في نفوس أبناءنا وأحفادنا معاني الحب والوفاء وصدق الولاء والانتماء لها وبحيث يكون شعارنا دوماً وجميعاً "اليمن أولاً" نتفق ونتباين تحت ظلالها ومن أجلها فهي أساس وجودنا ومصيرنا وهويتنا ومستقبل أجيالنا القادمة .. فهل من يدرك؟!.
--------------------------------------------------------------
السبت 12 ديسمبر-كانون الأول 2009 09:04 م

اليمن ومجلس التعاون والمركب الواحد

بقلم/ خير الله خيرالله
 ----------------------


كان مؤتمر المانحين لدعم التنمية في اليمن الذي انعقد في لندن قبل أيّام خطوة في اتجاه تصحيح الأوضاع السائدة في المنطقة العربية عموماً وفي شبه الجزيرة العربية تحديداً. تدلّ علي ذلك نتائج المؤتمر الذي توّج بحصول اليمن علي مساعدات وتسهيلات مالية بقيمة أربعة بلايين وسبعمئة مليون دولار. هذا الرقم مهمّ وكان من الأفضل لو زاد علي ذلك. لكنّ ما هو أهم من الرقم مشاركة أربعين دولة ومؤسسة دولية في مؤتمر لندن الذي كان بين الداعين له مجلس التعاون لدول الخليج العربية ووزارتا التنمية الدولية والخارجية البريطانيتان فضلاً عن وزارة التخطيط والتعاون الدولي اليمنية وصناديق التنمية في دول مجلس التعاون ومؤسسات دولية واسلامية عدّة.


جاء نصف المساعدات والتسهيلات من دول مجلس التعاون. وكان الرئيس علي عبدالله صالح، الذي جاء إلي لندن للمشاركة في المؤتمر فحضر جلسة الافتتاح وكان أبرز المتحدثين في المؤتمر الصحافي الذي اختتم به المؤتمر، في غاية الوضوح عندما تحدث عن بداية مرحلة الشراكة الحقيقية بين دول مجلس التعاون من جهة واليمن من جهة أخري. والواقع، أنه يفترض في العلاقة بين الجانبين أن تدخل مرحلة أكثر تقدّماً في مجال الشراكة، أي إلي مرحلة وحدة الحال من زاوية أن اليمن يُعتبر الحديقة الخلفية لمجلس التعاون والخزّان البشري العربي فيه. والأكيد أن هذا الخزّان عنصر من العناصر المهمّة التي تحافظ علي التوازن السكاني في المنطقة علي نحو يصبّ في حماية عروبتها. وفي هذا السياق، لا يمكن تجاهل الحجم السكّاني لليمن في المنطقة ولا يمكن في الوقت ذاته تفادي الاعتراف بأنّ بعض دول المنطقة تشكو من طغيان العمالة الأسيوية وغير الأسيوية بما يطرح في المديين المتوسّط والبعيد، وثمة من يقول في هذه الأيّام بالذات، مشاكل من النوع الذي يؤدي إلي انعكاسات سلبية علي التركيبة السكّانية في منطقة الخليج.


بعيداً عن هذا النوع من المشاكل التي تتحدث عنها شخصيات خليجية تتمتع بالشجاعة منذ فترة طويلة ولكن من دون أن يؤدّي ذلك إلي أيّ اجراءات ذات طابع عملي علي صعيد التصدّي لها، لا بدّ من الاعتراف بأنّ التقارب بين اليمن ومجلس التعاون لدول الخليج العربية دخل مرحلة مختلفة. ستقود هذه المرحلة عاجلاً أم آجلاً إلي انضمام اليمن إلي المجلس بعيداً عن الحساسيات المبالغ بها والتي كانت سمة ميزّت العلاقات بين صنعاء وعدد من العواصم الخليجية. كان هناك دائماً من يتحدّث عن وجود عقبات كبيرة في وجه ايّ تقارب بين اليمن ومجلس التعاون. بين هذه العقبات انزعاج بعضهم من الوحدة اليمنية ومن التعددية الحزبية في اليمن وحتي من النقاش المفتوح الذي يشهده مجلس النوّاب اليمني، وهو نقاش كان ينقل مباشرة عبر التلفزيون ويعطي فكرة عن الحياة السياسية في البلد الفقير في حين أن مثل هذه الحياة غائبة عن دول غنيّة مكتوب علي شعوبها أن تكون محرومة من أي نشاط ذي طابع سياسي، وكأنّ هذه الشعوب لم تبلغ بعد سنّ الرشد. وكان هناك انزعاج من قدرة اليمن علي اتّباع سياسة متحررة علي غير صعيد من أيّ وصاية خارجية من أي نوع كان. وكان هناك من يتذرّع في الماضي بأنّ اليمن يتّبع نظاماً مختلفاً عن أنظمة كلّ الدول الأخري في مجلس التعاون نظراً إلي أنّه الجمهورية الوحيدة في المنطقة المحيطة به. وكان ذلك بمثابة سبب كاف لاستبعاده عن المجلس، أقلّه بالنسبة إلي بعضهم. ومن الذرائع الأخري التي أستُخدمت لمنع اليمن من أن يكون علي علاقة عضوية بمجلس التعاون، ذريعة أن لديه مشاكل حدودية مع البلدين اللذين لديه حدود برّية معهما أي مع سلطنة عُمان والمملكة العربيّة السعودية. أستطاع اليمن التوصّل إلي اتفاق مع عُمان في شأن الحدود. وفي العام 2000، توصّل إلي معاهدة مع السعودية وضعت حدّاً لنزاع عمره ما يزيد علي ستّة عقود. وإلي الآن هناك من لا يصدّق أن هذا الأمر قد حصل!


علي الرغم من أنّه لم تعد هناك مشاكل تذكر بين اليمن ودول مجلس التعاون، بقيت العلاقة بين الطرفين تراوح مكانها، علماً أن الرغبة اليمنية في البحث في تقارب جدّي مع مجلس التعاون ظهرت إلي العلن في العام 1996 . واذا كان لا بدّ من كلمة حقّ تقال، فهي أن أمير قطر صاحب السمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني امتلك وقتذاك ما يكفي من بعد النظر لدعوة الأعضاء الآخرين في مجلس التعاون إلي البحث في العلاقة مع اليمن. وكانت سلطنة عُمان العضو الآخر الوحيد الذي أبدي وقتذاك نوعاً من التفهم لهذا الموضوع الحسّاس.


تغيّر العالم وتغيّرت المنطقة. هناك بكلّ بساطة تحدّيات جديدة تواجه دول شبه الجزيرة العربية بما في ذلك اليمن. لذلك، بدا التقارب بين صنعاء والعواصم الخليجية الأخري أكثر من حتمي. هناك حاجة إلي التفكير بطريقة مختلفة تقوم علي أن أمن المنطقة كلّ لا يتجزّأ. وبكلام أوضح، أن أمن اليمن من أمن دول مجلس التعاون والعكس صحيح. ومن هذا المنطلق، كان طبيعياً أن تبدأ عملية ازالة الحساسيات التي تحكّمت بالعلاقة بين الطرفين تمهيداً لتجاوزها بشكل نهائي في مرحلة ما. لم يعد طبيعيّاً أن تكون اليمن مهدّدة من داخل بسبب مواردها المحدودة بعدما قطعت شوطاً بعيداً علي طريق القيام بالاصلاحات السياسية التي تتماشي مع عملية دخول القرن الحادي والعشرين. وتوّجت الاصلاحات بالانتخابات الرئاسية التي جرت في سبتمبر- أيلول الماضي . شهدت الانتخابات تلك تنافساً حقيقيّاً بين علي عبدالله صالح وآخرين علي رأسهم مرشّح المعارضة ممثّلة بلقاء أحزاب اللقاء المشترك .ولم توفّر المعارضة طريقة الاّ واستخدمتها من أجل اسقاط الرئيس اليمني...


كان لا بدّ من الاصلاحات السياسية. لكنّ هذه الاصلاحات لا تكفي لتكريس الاستقرار في البلد. أن الاستقرار السياسي تحقق إلي حدّ ما في اليمن الذي استطاع تجاوز كلّ العقبات التي واجهت البلد بعد استعادته وحدته في الثاني والعشرين من مايو- أيّار 1990 . لكن هذا الاستقرار يظل نسبياً، حتي لا نقول مهدّداً، من دون الأمن الاقتصادي والاجتماعي. وكان الرئيس اليمني في غاية الصراحة في لندن عندما تحدّث عن المشاكل الداخلية التي تعاني منها بلاده وعن ضرورة السعي إلي ايجاد حلول لها. لم ير علي عبدالله صالح عيباً في القول أن المواطن اليمني يريد الدواء والخبز والمياه والطاقة وأن المعركة هي مع الفقر والجهل والبطالة. في النهاية، كان لا مفرّ من ظهور وعي خليجي إلي جانب وعي دولي لأهمّية دعم اليمن في عملية التنمية، ذلك أن لا شيء يشجع علي نشوء الارهاب ونموّه أكثر من الجهل والفقر. أكثر من ذلك، ماذا ينفع دولة مثل السعودية اذا أقامت جداراً أمنيّاً علي طول حدودها مع العراق، وهو ما تفكّر فيه جدّياً هذه الأيّام، ولم تلتفت إلي ما يدور في الحديقة الخلفية لدول مجلس التعاون، أيّ إلي ما يدور في اليمن؟ الجميع في مركب واحد. ولذلك، أنّ الاستثمار في الاستقرار اليمني عن طريق توفير الدعم الاقتصادي لهذا البلد هو بمثابة استثمار في الأمن الخليجي أيضاً... وفي ما هو أبعد من ذلك أيضاً نظراً إلي العلاقات التي تربط اليمن بالقرن الأفريقي وتأثّره بما يدور في تلك المنطقة.


لا يمكن الحديث عن مؤتمر المانحين لدعم اليمن بصفة كونه مجرّد خطوة متواضعة في الطريق الصحيح، أي في اتجاه بدء ربط اليمن بمجلس التعاون. ما حدث كان منعطفاً في اتجاه حسم موضوع العلاقة بين اليمن ودول مجلس التعاون. هناك باختصار تحديات جديدة وكبيرة أمام الجميع ليس في استطاعة أيّ طرف تجاهلها. انها تحدّيات من النوع الذي يفرض تجاوز كلّ أنواع الحساسيّات في وقت يبدو الشرق الأوسط كلّه مقبلاً علي أحداث ضخمة يصعب التكهن بالنتائج التي ستترتّب عليها.
-----------------------------------------
الثلاثاء 21 نوفمبر-تشرين الثاني 2006 04:12 م

الثلاثاء، يونيو ٢٩، ٢٠١٠

الفيفا والأمم المتحدة



بقلم الدكتور/عبدالعزيز المقالح

------------------------------


بداية، هل يمكن للفيفا (الاتحاد الدولي لكرة القدم) أن يحل محل منظمة الأمم المتحدة، وأن يتولى إدارة الشؤون الدولية بالكفاءة التي يبديها في إدارة شؤون كرة القدم؟ سؤال يشغلني منذ وقت ليس بالقصير، فقد نجح هذا الاتحاد الدولي في توزيع دورات (المونديال) على الشرق والغرب، ونجح في خلق علاقة وطيدة بين الاتحادات الدولية والإقليمية سواء على مستوى القارات أو مستوى الشعوب، ونجح أيضاً في حل المنازعات التي تطرأ بين الفرق وبعضها، وذلك ما يؤهله لتولي الشأن السياسي العالمي بعد أن أثبتت المنظمة الدولية للأمم المتحدة فشلها وعجزها عن حل أبسط القضايا، فضلاً عن حل أعقدها، لأسباب عديدة منها تحكم الدول الكبرى من ناحية، وفقدان الروح الرياضية الإنسانية من ناحية ثانية .


إن أحلامي الراهنة، وأزعم أنها أحلام تسعين في المائة وأكثر من سكان العالم، أن يطرأ تغيير كبير في مسار المنظمة الدولية المسجونة في البناء الزجاجي المقام في مدينة نيويورك، حيث لم تعد قادرة على الفرار بمبادئها الأولى وميثاقها بعيداً عن هذه المدينة ونفوذ الولايات المتحدة، وهو نفوذ يتزايد حتى باتت المنظمة وكأنها دائرة من الدوائر التابعة لوزارة الخارجية في البيت الأبيض، ولم يعد لها من مهمة تُذكر سوى خدمة هذه الدولة العظمى التي تهدد بأساطيلها البحرية والجوية والبرية أمن العالم واستقراره، وصار لا هم لهذه الدولة إلا البحث عن مبررات وذرائع لغزو الشعوب والهيمنة عليها، بعد ما افتتنت بقوتها العسكرية وما تدفع إليه من غرور ورغبة سافرة في متابعة المغامرات الجنونية على مستوى الأرض .


أما اقتراحي بتكليف “الفيفا” بتولي أعمال الأمم المتحدة فيأتي من كون المنظمتين كليهما تقومان بعمل مشترك هو الإشراف على الألعاب الدولية سواء كانت سياسية أو كروية . وكلها كما أوضحت مجريات الأمور حتى الآن “ألعاب في ألعاب” . وفضل منظمة “الفيفا” على مثيلتها منظمة الأمم المتحدة أنها لم تكن شاهدة زور على مجزرة من المجازر البشعة التي تدار على مرأى ومسمع من العالم . وما كانت لتلتزم الصمت إزاءها، كما لم تكن طرفاً في نهر الدماء الذي يجري في فلسطين والعراق وأفغانستان وغيرها من المناطق التي تتساقط فيها أجساد الأبرياء صباح مساء . وفي مقدور العالم أن يجرب التعامل مع “الفيفا” في حقل السياسة، كما سبق له أن جربها في حقل الرياضة، ولن يترتب على تلك التجربة أية خسارة تذكر لا مادية ولا معنوية .


وتبقى في هذا الصدد إشارة أخيرة إلى ظاهرة استحواذ الكرة، وكرة القدم خاصة، على اهتمام الناس وتعلقهم المتزايد بإطالة النظر إلى الأقدام بعد ما فرغت الرؤوس من الحكمة والنظر في الهموم المتراكمة، وهل هذا الذي يتم ناتج عن ضرورة تستدعي إراحة العقل والإشفاق عليه من الضغوط المتلاحقة التي من شأنها أن تقود إلى الجنون؟ أم أن هذا الاهتمام بكرة القدم فاق كل اهتمام وخرج عن نطاقه الطبيعي وعما كان عليه منذ بدأت هذه اللعبة في الظهور؟ والخطورة قد لا تتبدى في إراحة العقل وإنما في أن يعمل هذا الاهتمام المتزايد على إراحة الضمير وتدجينه والتخفيف من مسؤولياته تجاه ما حدث ويحدث من انكسارات إنسانية وكوارث فاجعة .
-----------------------------------

"من موقع المؤتمرنت نقلاً عن الخليج"

الأربعاء، يونيو ٢٣، ٢٠١٠

البحث عن هوية !!

بقلم/ الأستاذ/عبده بورجي

------------------------------------

هل وحدة اليمن بحدوده الطبيعية تمثل حالة طارئة ونزوة عاطفية عابرة ؟!.. أم أنها حقيقة تاريخية يقينية ترتبط بالهوية والوجود والمصير والجغرافيا والمصالح المتشابكة لشعب ظل عبر تأريخه موحداً رغم ما واجهه في مراحل مختلفة من تاريخه من واقع التجزئة لحدوده الجغرافية الطبيعية نتيجة صراعات ومطامع داخلية أدت إلى انهيار الدولة المركزية وبروز دويلات وكيانات تشطيرية هيأت المجال لتدخلات أجنبية استلبت القرار الوطني وكرست واقع التجزئة والانقسام.


وفي دراسة أعكفُ عليها حالياً لنيل درجة الماجستير في العلوم السياسية بعنوان "العوامل الوطنية والإقليمية والدولية وإنعكاس تأثيرها على إعادة تحقيق الوحدة اليمنية وقيام الجمهورية اليمنية عام1990م" ثمة حقائق جوهرية برزت أمامي تتصل بموضوع التأثير الإيجابي للعوامل الداخلية على نماذج التجارب الوحدوية من مراحل التاريخ المختلفة وفي مقدمتها ما يتصل بخصائص الهوية اليمنية التي تتميز بدرجة عالية من الوحدة الدينية واللغوية والاجتماعية والثقافية وإسهامها الايجابي في بناء الوحدة السياسية لليمن بحدوده الطبيعية في ظل حكم سلطة مركزية واحدة ساعدت على تأمين استمرار أقدم نظام توحيدي عرفه اليمن .. وهناك دراسة مهمة للمؤرخ اليمني الدكتور محمد عبدالقادر بافقية بعنوان "اليمن القديم من دولة القبائل إلى دولة الوحدة" وكذلك محاضرة قيَّمة للدكتور عب دالكريم الارياني في معهد الدراسات بلاهاي بعنوان"الجمهورية اليمنية - الوحدة - الديمقراطية- التنمية الاقتصادية" تناولتا موضوع الهوية اليمنية وارتباطها بوحدة اليمن والحفاظ عليها .. وخلال مرحلة التجزئة التي تعرض لها اليمن عقب تفككك حكم الدولة المركزية فان خصائص ومقومات وحدة الهوية اليمنية شكلت الضمانة الحقيقية لاستمرار وحدة شخصية اليمن الاجتماعية والاقتصادية والثقافية في ظل مراحل انفصام عُرى وحدتها السياسية وبقيت موحدة عبر القرون ومكونة تواصلاً حضارياً وثقافياً واجتماعياً وظل اليمنيون يشعرون على الدوام بأن اليمن هي الهوية الوطنية حتى في أيام التجزئة وظلت هذه الهوية رابطاً عضوياً مشتركاً بينهم حتى في ظل حالات التجزئة السياسية وتعدد سلطات الحكم الاستثنائية للدويلات وقد ثبت حقيقة ما سبق في التأريخ القديم خلال حالة التجزئة السياسية التي تعرض لها اليمن من 525-620م عقب تفكك وحدة اليمن السياسية وانهيار دولة حمير المركزية إلى أن استعاد اليمن وحدته في ظل حكم الدولة الإسلامية وتأكد تكرار هذا التأثير أيضاً أثناء حالة التجزئة السياسية التي تعرض لها اليمن في عصر الدويلات عام 820م وعقب خروج اليمن من حاضرة حكم دولة الخلافة الإسلامية حتى استعادة وحدته السياسية أثناء حكم الدولة القاسمية وفي أخر حالات التجزئة والتشطير التي تعرض لها اليمن في التأريخ الحديث والمعاصر للفترة من 1839م- 1990م ظلت خصائص وحدة الهويَّة اليمنية رابطاً قوياً لاستمرار وحدة اليمن رغم غياب الوحدة السياسية وتعرض اليمن لشتى محاولات استهداف مقومات وحدة هويته الوطنية بعد أن تكالبت خلال تلك المراحل العوامل الداخلية والإقليمية والدولية لترسيخ واقعاً تشطيرياً مفروضاً متجاوزاً حدود تأثيراته السلبية على وحدة اليمن السياسية إلى بعض خصائص مقومات الهوية الايدلوجية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية للشعب اليمني الواحد التي عكست نفسها في صراعات سياسية وعسكرية إلا أن خصائص وحدة الهوية اليمنية أثبتت أنها أقوى من تلك في تأثيرها الايجابي وقدرتها في الحفاظ على استمرار وتواصل جهود إعادة تحقيق الوحدة اليمنية في الـ 22 من مايو 1990م والتي تحتفل اليمن اليوم بمرور عقدين من الزمن على ميلادها.. ورغم التحديات والأعاصير التي ظلت تواجها الوحدة إلا إن وحدة الهوية الوطنية ظلت هي صمام الأمان لاستمراريتها وحمايتها ضد التحديات واستهداف حاضر ومستقبل اليمن السياسية في تاريخه المعاصر خاصة في ظل تلك المحاولات التي ظل يقوم بها البعض ضمن مشروع قديم جديد لطمس الهوية الوطنية ومحاولة الترويج لهوية مسخ يسمونها "بالجنوب العربي" يحاولون من خلالها سلخ أبناء المحافظات الجنوبية والشرقية من جلودهم اليمنية وسلبهم تاريخهم وهويتهم الوطنية التي عرفوا بها عبر التاريخ ومثل تلك الهوية سبق أن روج لها الاستعمار أثناء فترة حكمه وتخلى عنها بعد أن قاومها الشعب وأفشلها ولكن البعض عاد من جديد للترويج لها لتمرير مشروعاً انفصالياً ظن هؤلاء بأنه لن يمر إلا تحت هذه اللافتة المهترئة.!


ومن المؤسف ما نلاحظه في مناهج التعليم وأجهزة الثقافة والإعلام من قصور فاضح في إيصال حقائق جوهريَّة من التاريخ اليمني إلى الأجيال اليمنية المتعاقبة خاصة الناشئة والشباب سواء ما يتصل بالهوية الوطنية أو الوحدة كحاضن وطني لأبناء الشعب اليمني على إمتداد اليمن الطبيعية وحيث أقترن بالوحدة إكتساب القوة والمنعة والرخاء والازدهار والقدرة على التأثير في المحيط الإقليَّمي وعلى العكس من ذلك فان التجزئة والتشطير تلازمت بالضعف والوهن والتشتت وبوجود المطامع والتدخلات والسيطرة الأجنبية على الشأن اليمني .. كما أن الوحدة ظلت تاريخياً هي القاعدة الثابتة والتجزئة هي الإستثناء وحتى في حالات التجزئة فأن اليمنيين ظلوا يناضلون ويحثون الخُطى من أجل استعادة الوحدة والانضواء تحت مظلتها وهذه هي الحقائق التي ينبغي أن يعلمها الجميع وان يتعلمها أبناؤنا وأطفالنا حتى لا نجد أنفسنا أمام واقع أشبه بذلك الحال المحزن الذي نشاهده اليوم في بعض شوارع الضالع وردفان عندما نرى بأن ما نسميهم بجيل الوحدة يتظاهرون ضد الوحدة أو يطالبون لأنفسهم بهويَّة مسخ غريبة لا وجود لها في التاريخ أو الواقع غير هويتهم اليمنية التي يعتز كل أبناء العروبة بالانتماء إليها وباعتبار أن من لم يكن له جذور أو أصول من اليمن فليس بعربي !.
-------------------------------------------------

- من موقع صحيفة 26سبتمبر نقلا عن مجلة محطات

السبت، يونيو ١٩، ٢٠١٠

قطار الانفاق من باب شعوب الى حجة !!

فيصل جلول - إلى صابر ووليد ونزار
--------------------------------

علمت مؤخراً ان الحكومة اليمنية تعد دراسات جدوى لبناء شبكة من السكك الحديدية والقطارات تشمل المدن الرئيسية فعادت بي الذاكرة الى ست سنوات خلت حين نشرت مقالاً دعابياً في هذه الزاوية حول هذا الامر استدرج تعليقا من الشبان الثلاثة المذكورين اعلاه "من يدري ربما خلال عشر سنوات نستقل القطار في اليمن." وللمناسبة ارتأيت اعادة نشر المقال مع اهدائه هذه المرة للثلاثي الذي شهد التفاصيل التي شكلت مادة هذا المقال...فإلى النص. يأخذ علي عدد من الاصدقاء والأهل والأقارب جديتي المفرطة ويعتقدون انني ما ان امتنع عن إطلاق ابتسامة عريضة حتى أبدو وكأنني قاس لا اطاق علما أن هذه الصفة لاتتناسب مع حقيقة شخصيتي ودائماً بحسب تلك القلة من الذين يهتمون عن كثب بأمري وأبادلهم الاهتمام نفسه.


كنت غارقاً في التأمل مقطب الحاجبين شارداً اتخيل سيناريوهات لعدد من القضايا الجدية المختلفة عندما انضم الي حول طاولة الغداء زملاء التقيتهم للمرة الأولى خلال متابعة الانتخابات البرلمانية الاخيرة واذا بأحدهم يحدق بي ويستنتج ان ملامحي قاسية وانني جدي للغاية، وذلك من دون معرفة مسبقة ، الأمر الذي فاجأني وجردني من كل رد ممكن فالتزمت الصمت.


تناولنا مع الزملاء مواضيع كثيرة من بينها تقدير المسافات الفاصلة بين صنعاء وباقي المدن اليمنية، ومن ضمنها مدينة حجة.
إسم المدينة لفت انتباه زميلنا المعتد بنفسه والذي مابرح منذ يومين ينظر باستعلاء واستخفاف الى الشارع المواجه للفندق ويحكم على الناس بالتخلف ويؤكد انه لم يكن يتوقع ان يشاهد ماشاهده. وفي كل ذلك كان يثير حفيظتي ، وقد ضبطت اعصابي مرتين حتى لا اندفع ساخرا من احكامه وملاحظاته التي توحي وكأنه "كائن" حضاري فريد هبط في بلد لايستحق زيارة شخص من صنفه!!




سألني الزميل: كيف يمكن الوصول الى "حجة" عله يرى شيئاً آخر مختلفاً عما يراه في صنعاء ، وذلك بعد ان سمع عبارات المديح حول هذه المدينة التي لم أزرها من قبل وان كنت احتفظ بصورة تقريبية عنها من خلال اوصاف ونصوص قرأتها وروايات اناس عاشوا فيها وهم من مختلف الأعمار.


قلت للزميل: يحتاج الأمر الى حوالى 3 ساعات للوصول الى المدينة بالسيارة وان الطريق لاتخلو من الصعوبة، لكن الأمر يهون عندما يصل الزائر الى حجة الساحرة.


أجاب بقدر من قلة الصبر والامتعاض: لا...لا...لا... 3 ساعات !! لايمكن ان اتحمل عناء الرحلة. ألا توجد مدينة قريبة يمكن الوصول اليها خلال نصف ساعة او ساعة في حد اقصى.


قلت : بلا.. يمكنك الوصول الى حجة نفسها في نصف ساعة اذا سافرت ب "قطار الأنفاق" فهو أسرع من السيارة لكنه مكلف اكثر وربما لثلاثة اضعاف اجرة السيارة.


قال: هل تمزح؟ أيوجد قطار في اليمن.!!

لقد تجولت في المدينة ولم أر اثراً لأية محطة للقطارات ولا للسكك الحديدية.


قلت بعبارة جدية و حاسمة: هل ذهبت الى باب شعوب؟


قال: لا. اين باب شعوب؟ هل هو قريب من باب اليمن؟ لقد زرت باب اليمن هذا الصباح.


قلت: لا عليك. لا. ليس بعيداً عن باب اليمن. ومن الطبيعي الا ترى المحطة والسكك الحديدية. فهي تحت الارض والناس يعرفونها وان كانوا لا يحبون القطارات.


قال: وكيف اذهب الى هناك. هل يرافقني أحد ؟.


قلت: يمكن ان نأتي معك. لكن ننصحك بالذهاب منفردا والقاء نظرة على المحطة. اطلب من السائق ان ينقلك الى "باب شعوب" وان يدلك بنفسه الى المحطة. انزل من بعد الى تحت الارض واتجه الى طاقة التذاكر ثم احجز لنا جميعاً مقاعد في الدرجة الاولى ليوم غد ذهاباً وإياباً و عد با ضبارات الحجز باسمائنا وفي صباح الغد ننطلق معاً في رحلة ممتعة بواسطة القطار.


واستدركت:... لا تهتم ان استهجن السائق طلبك فأهل المدينة لايحبون القطارات ولايحبون السفر في مواصلات الانفاق تحت الارض.. قل له انقلني الى "باب شعوب" فقط وتدبر أمرك بنفسك من بعد.


احتار الزملاء الآخرون فيما أقول وبدت عليهم ملامح الدهشة لكنهم لم يملكوا ان يشككوا في كلامي الذي ترافق مع تعابير وجهي البالغة الجدية اما الشبان الثلاثة صابر ووليد ونزار فقد التزموا الصمت حائرين.


لم تعمر قصة "مترو الانفاق" في باب شعوب طويلاً، فقد اكتشف الزميل ان الامر يتصل بمزحه وطلب تفسيراً لذلك.. فشرحت له ان محطة "باب شعوب" الوهمية هي الجواب المناسب على رد فعله المتعجرف عندما تحدثنا عن مدينة حجة الساحرة وعن الوقت اللازم للوصول اليها . ومن حسن الحظ ان روحه كانت رياضية وتقبل المزاح ساخراً من نفسه.


انتشرت الرواية بين بعض الاخوة اليمنيين الذين انتابتهم موجات من الضحك لكنهم حافظوا على احترامهم للزميل وللزملاء الآخرين واكتفوا بالتعليق على تفاصيل الحادثة فيما بينهم وطاب لأحدهم ان يضيف الى خط باب شعوب- حجة خطوطاً اخرى نحو سيئون وعدن والحديدة وتعز في كل مرة يصادف شخصاً متبرماً بالمسافات بين المدن اليمنية والوقت اللازم لبلوغها.. وفي الايام التالية فاجأني نزار او صابر وربما وليد بالقول ان القطار حلم جميل وقد ينجز ذات يوم خط باب شعوب- حجة ثم طفق يسألني عن القطارات في المدن الغربية وما اذا كانت مريحة وسريعة فعلاً.


وحتى اوسع أفق حلمه وكي احمله على التمسك بمشروع الخط الوهمي قلت ان القطارات في الغرب رائعة وافضل من الطائرات، يمكن للراكب ان ينام ان رغب وان يتناول افضل الوجبات التي تحملها اليه حسناوات شقراوات، وبجانب مقعده هاتف يصله بكل انحاء العالم وبشبكة الانترنت وبمواجهة مقعده تلفاز يبث قنوات عربية للركاب العرب الذين لايجيدون الفرنسية.. الخ.


لم يشكك في أقوالي واخذ يتخيل الزمن المطلوب لبناء السكك الحديدية في اليمن مردداً: ربما خلال عشر سنوات من يدري .. الله اعلم.
ان كنت عزيزي القارئ ممن يحتفظون بملامح قاسية انصحك بالذهاب الى "باب شعوب" والسؤال عن محطة قطارالانفاق التي تربط "صنعاء" ب "حجة" وان لم تجدها لا عليك. كرر السؤال ثم انظر بجدية في وجه أول عابر سبيل في المكان وستلمح في عينيه نظرة تساؤل عن السبب الذي يجعلك تحدق فيه وسيكتشف ان ملامحك غير قاسية وانك شخص يحلم كالاطفال. قص عليه تفاصيل الرواية واختمها بالقول: لقد فاتنا القطار هذه المرة مارأيك لو نرتشف القهوة على الرصيف بانتظار القطار الوافد.. قد تنفجرا بالضحك معاً وتختفي آثار الحواجب المقطبة عن وجهك وتبدأ يوماً آخر أقل كآبة واكثر فرحاً.